محمد محمد أبو ليلة
182
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
من قبل " الفقهاء والمحدثون " ، وهو هنا يقول " المحدثون " " واللغويون " ؛ ويغور المستشرق ونسبرا أكثر في هذا التيه إذ يتفق مع رفيقه برتون في القول بتلفيق فكرة المصاحف ؛ ولكنه يخالفه في التعليل لهذا التلفيق الموهوم ؛ فيزعم أن الفكرة من وراء القول بوجود مثل هذه المصاحف هي محاولة من قبل المسلمين لإثبات تاريخ قديم لجمع القرآن ، وكتابة المصحف الذي لم يكتب في نظره حتى القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي ، وربما بعد ذلك . كلا الكاتبين لم يقدما ، للأسف ، أي دليل ؛ بل لم يستطيعا أن يصبغا كلامهما بصبغة عقلية تحسنه للعقل الواعي ، أو حتى يصبغاه بصبغة خيالية ممتعة ؛ وإن دل كلامهما إلى شيء فإنه يدل على تحاملهما على الإسلام والمسلمين ؛ والتشكيك في أي عمل من شأنه أن يظهر عناية المسلمين بكتاب اللّه تعالى أو على ظهور المسلمين كقوة حضارية وعلمية في التاريخ . وقد فطن ويلش لهذه المغالطة التي وقع فيها صاحباه ، فأخذ على صاحبيه التوسع في الدعوى وإعواز الدليل « 1 » . هذه المزاعم تذكرنا بما زعمه منجانا ، في مقال له عن " نقل القرآن " إذ زعم أن رواية جمع القرآن ليست تاريخية ، ولا مؤيدة بالأدلة ؛ وإنما هي حكايات جاءت بها الأحاديث عن طريق النقل الشفهى . وأن ما عند النصارى في مسألة جمع القرآن من أقوال هو الصحيح المؤيد بالشواهد التاريخية ، وقد أجهد منجانا نفسه لإثبات ذلك من ناحيتين ؛ الأولى تجميع حكايات إسلامية تنص على أن القرآن لم يجمع إلا في وقت متأخر جدا ، بعد 238 سنة من وفاة النبي صلى اللّه عليه وسلم « 2 » . نقل منجانا ما ورد من أن عبد الملك بن مروان كان يخاف الموت في شهر رمضان قائلا في تعليل ذلك ، فيه ولدت وفيه فطمت ، وفيه جمعت القرآن وفيه اخترت خليفة « 3 » . فهم منجانا خطأ ولم يراجع نفسه في الخطأ أن كلمة " جمعت " تعني كتبت
--> ( 1 ) المصدر السابق 408 عمود A . ( 2 ) " The Transmission of the Qur an " p . 28 f مقال أعددناه ردا عليه وهو بصدد النشر . ( 3 ) المصدر السابق ص 32 .